أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
85
التوحيد
وأن فاعل الشر مذموم ، ومن يضر غيره قاس سفيه ، لم يجز أن يجئ من اللّه الذي هو حكيم رحيم فعل الشر أو الضرر بأحد ، ومثله في الشاهد ، ولا له السفه والقساوة ، وهذا مما ينتفع به أو يدفع الضرر عن نفسه ، فكيف لمن لا ينتفع بشيء ولا يضره شيء . على قولهم إن الحكيم في الشاهد من يجرّ بفعله النفع به والضرر فأما من يضر غيره بلا نفع له فليس هو بحكيم . فقالوا : هذا باختلاف الأصل الذي منه العالم ليرجع كل موجود فيه إلى أصله من خير أو شر ، أو كان واحدا فيه الجوهران فتفرقا ، فكان من كلّ ما يكون من مثله ، أو بما اعترضت فيه الأعراض اختلف . فرجع إلى هذا قول الدهرية المنكرة للصانع ، والمثبتة جميعا لعدد ، فسمت الثنوية لقولهم : الخير بجوهره نور والشر ظلمة ، والمجوس سموا الخير اللّه ، والشر الشيطان . قال الفقيه أبو منصور رحمه اللّه : ولو أنعم هؤلاء الفرق النظر فيما تقدم من ذكر الأدلة لعلموا قصور عقولهم عن الوقوف على الحكمة البشرية فضلا عن أن يحيطوا بحكمة الربوبية ، مع ما فيما إليه صاروا في الاختيار منع لهم عن دعوى معرفة حقيقة الحكمة والسفه ؛ إذ من مذهبهم أن لا يرون بجوهر الشر إلا الشر وبجوهر الخير إلا الخير ، ثم لا يدري فيما سمّوه سفها أو حكمة إنه فعل الشر أو فعل الخير ، وكل الإنسان عندهم مشوب من الأمرين ، يرى بكل واحد خلاف ما يرى بالآخر ، فلعله رأى الحكمة سفها والسفه حكمة ، ثم لا يوثق بقوله لأنه خير فهو من جوهر الظلمة كذب كله ومن جوهر النور صدق كله فلا يدري بأي جوهرين ينطق ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم إذ لم يكن لواحد منهما قدرة على الضرر ولا للآخر قدرة على النفع فانقطع موضع الرجاء والخوف جميعا فيذهب منفعة معرفة الحكمة والسفه . ثم إذ كان كل واحد من الجوهرين يعمل بالطبع فوقوع العلم بالحكمة إذا محال والسفه بالطبع ، والحكمة هي وضع كل شيء موضعه والسفه وضع كل شيء في غير موضعه ، ومحال وصف ذي طبع به ؛ إذ هو اختيار ، والنور عندهم لا يعلم ما السفه فيحذره ولا الظلمة تعلم ما الحكمة ، والجهل بمائية الشيء وبالوضع له شر ، فصار جوهر النور عندهم هو الذي اجتمع فيه العلم والجهل ثم القدرة والعجز بما لا يقدر على صرف السفه عن نفسه ولا يمنع الظلمة عن الضرر به ، فصار جوهر الخير عندهم مشوبا بالشر وجوهر الظلمة لا خير فيه ، فلزم على قولهم غلبة الشر على الخير ، والذي هو خير لم يعرف الشر والسفه ، فكيف يعرف هذا الذي يولد عن جوهر الخير بعد غلبة الشر عليه الخير والشر ؟ على أن كل ذي طبع مقهور ، إذ لا يملك صرف ما يوجبه الطبع وإيجاب الخلاف ، وفي ذلك إيجاب قاهر يجعل ذا شرا بالطبع وهذا خيرا ، ولو ردّ ذا إلى اثنين